جلال الدين السيوطي
127
الإتقان في علوم القرآن
إطنابا . قلنا : هو إطناب لما قبله من حيث رفع توهّم غيره ، وإن كان له معنى في نفسه . النوع الثامن عشر : التتميم « 1 » : وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتة ، كالمبالغة في قوله : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [ الإنسان : 8 ] أي : مع حب الطعام ، أي : اشتهائه ، فإنّ الإطعام حينئذ أبلغ وأكثر أجرا . ومثله : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [ البقرة : 177 ] ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ [ طه : 112 ] ، فقوله : وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميم في غاية الحسن . النوع التاسع عشر : الاستقصاء : وهو أن يتناول المتكلم معنى فيستقصيه ، فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية ، بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا ، كقوله تعالى : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ [ البقرة : 266 ] الآية ، فإنّه تعالى لو اقتصر على قوله : ال جَنَّةٌ لكان كافيا ، فلم يقف عند ذلك حتى قال في تفسيرها : مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ فإنّ مصاب صاحبها بها أعظم ، ثم زاد : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ متمّما لوصفها بذلك ، ثم كمل وصفها بعد التتميمين فقال : لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فأتى بكل ما يكون في الجنان ليشتدّ الأسف على إفسادها ، ثم قال في وصف صاحبها : وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ثم استقصى المعنى في ذلك بما يوجب تعظيم المصاب ، بقوله بعد وصفه بالكبر : وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ولم يقف عند ذلك حتى وصف الذرية ب ضُعَفاءُ ثم ذكر استئصال الجنة - التي ليس لهذا المصاب غيرها - بالهلاك في أسرع وقت حيث قال : فَأَصابَها إِعْصارٌ ولم يقتصر على ذكره ، للعلم بأنه لا يحصل به سرعة الهلاك ، فقال : فِيهِ نارٌ ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر باحتراقها ، لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفي باحتراقها ، لما فيها من الأنهار ورطوبة الأشجار ، فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله : فَاحْتَرَقَتْ فهذا أحسن استقصاء وقع في كلام وأتمّه وأكمله ! . قال ابن أبي الإصبع : والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل : أنّ التتميم يرد على المعنى الناقص ليتمّم ، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمّل أوصافه ، والاستقصاء يرد على المعنى التام الكامل فيستقصي لوازمه وعوارضه وأوصافه وأسبابه ، حتى يستوعب
--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 70 .